القاضي عبد الجبار الهمذاني
61
تثبيت دلائل النبوة
وبيّن ، والبضع فوق الثلاث ودون العشر ، وانظر إلى هذا الإقدام وهذه الثقة من رسول اللّه ، وانظر إلى قوله : « ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر اللّه » ، يريد بهذا النصر ظهور حجة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وما أقدم عليه أبو بكر وجاهد المشركين وبايع ، فهذا المراد بالنصر لا بظهور الروم على فارس لأن ذلك معصية ، وفارس والروم كفار واللّه لا ينصر الكفار بعضهم على بعض . وانظر إلى هذا التقريع والتوبيخ وتأكيده الوعد بقوله : « ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر اللّه ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم . وعد اللّه لا يخلف اللّه وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون » وانظر كيف يستخف بهم ويستجهلهم وهم يسمعون وهو معهم وفي قبضتهم وفي أيديهم والغلبة لهم ، وانظر كيف يقول له في آخر السورة : « فاصبر إن وعد اللّه حق ولا يستخفنّك الذين لا يوقنون » ، فتأمل هذا البيان / وهذا الافصاح وهذه المكاشفة والاستظهار والعلوّ والاستطالة بالحجة والعلم بهذا ، وانه قد كان على ما ذكرنا وبيّنا يجري مجرى العلم بقصة المهاجرين إلى ارض الحبشة ونظائرها مما قدمنا في قصة الاسراء وغيرها ، فاحفظه وارجع إليه . وتأمل حال أبي بكر الصديق في الاسلام وإسلامه في أول الاسلام وفي حال ضعفه وقلة أهله وغلبة الشرك والمشركين عليهم ، وفي الحال التي قد كان المستبصر فيها لا يظهر دينه ويخفي ما في نفسه ، وانظر إلى بصيرة هذا الرجل ومكاشفته واستبداله بالمسالمة عداوة وبالراحة شقوة وبالغنى فقرا وبالكرامة هوانا ، كل ذلك للإسلام . ثم كان لسان المسلمين وأكبر داعية للرسول وأجلّ أعضاده وأنبه أعوانه ، لم يقم مقامه أحد من المسلمين ولا سدّ مسدّه ولا حلّ من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم محله . وانظر